![]() |
![]() |
![]() |
| روائع شعريه |
| روائع الكسرات |
|
||||||||||
|
||||||||||
|
||||||||||
| الـــمـــلـــتـــقـــى الــــــــــعــــــــام [للنقاش الهادف والبناء والمواضيع الاسلامية والعامه] |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
|
#1 |
|
تفسير قوله تعالى: (والله خلق كل دابة من ماء ...)
ثم قال ربنا -وهو أصدق القائلين-: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور:45] فكل ما يميز وما لا يميز مما يمشي على الأرض يسمى دابة. وأهم ما ينبغي أن يعرف في الآية أن الحجة العظيمة الأولى التي أقامها الله جل وعلا على أهل الإشراك هي كونه جل وعلا خالقاً، وما سواه مخلوقاً، فهذه أهم قضية ناقشها القرآن، قال الله: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل:17]، وقال: وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ [الفرقان:3]، وقال: هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ [لقمان:11]. وأراد الله من هذا كله أن يقول لهم: إن العبادة الحقة لا يستحقها إلا من يخلق، فما دام أنه لا أحد يخلق إلا الله فمن المقطوع به ألا يعبد أحد بحق إلا الله. هذا الذي أراده الله من إثبات قدرته على الخلق، حتى يقيم الحجة على عباده، فكيف تلتفون إلى من لا يخلق فتعبدونه وتتركون من يخلق؟! وقد قال الله جل وعلا: وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ [الحجر:85] قال العلماء: قوله: (إلا بالحق) لإثبات أن الله وحده هو الخالق، فلا يستحق العبادة غيره. وقال تعالى هنا: وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ [النور:45]، وقال في الأنبياء: وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء:30]. فالماء في سورة الأنبياء اسم جنس، أما هنا فليس اسم جنس، ولهذا جاء نكرة، ففي سورة الأنبياء يتكلم عن جنس المخلوقات، أما هنا فلم يتكلم عن جنس المخلوقات، بل يحدد ماهية المخلوقات، بدليل قوله تعالى بعدها: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ [النور:45] و(من) تستخدم للعاقل، وسوغ استخدامها لغير العاقل أن الله جل وعلا تكلم عن الدواب، والدواب يدخل فيها العاقل من بني آدم، فبالتغليب أدخل غير العاقل. قال الله تعالى: فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ [النور:45] مثل الحيات، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ [النور:45] مثل بني آدم وبعض الحيوانات، وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ [النور:45]. |
|
|
|
|
#2 |
|
بيان قدرة الله تعالى
ويرد على ذهن الإنسان حال العنكبوت والعقرب ونحوهما، فهي لا تمشي على بطنها، ولا على اثنتين، ولا على أربع، فتجيبه الآية: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [النور:45] وكأن الله يقول: بل هناك غير العنكبوت والعقرب لم تره عيناك، فلا يحتاج إلى أن تستدل علينا بعنكبوت وعقرب، ولذلك فصل الله الخطاب والأمر بقوله: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [النور:45]، وهذا التبيين مناسب لقول الله جل وعلا: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [النور:45]، فقوله: (يخلق الله ما يشاء) درس قائم بذاته؛ إذ الإنسان أحياناً تكون له أمنيات ورغبات، فيمنعه من الدعاء تصور استحالة أن تقع، فمما يحل هذا الإشكال اليقيني قول الله جل وعلا هنا: يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ [النور:45] وهذه المسألة حصلت للصديقة مريم، فإن الملائكة بشرتها بعيسى ابن مريم ولم تقل لها: عيسى بن فلان، فعرفت أنه سيأتي من غير زوج؛ لأنها لو قالت عيسى بن فلان لعرفت أن الأمر عادي، قال تعالى: إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ [آل عمران:45]. فلما أرادت أن تعترض قالت: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [آل عمران:47] فعرفت أنه سيأتي من غير مساس؛ لأنه لو كان سيأتي بمساس لنسب إلى أبيه، فأجابها بقوله: قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:47] في حين أن الله جل وعلا أجاب زكريا بغير هذا، حيث قال: رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:40] ؛ لأن قصة زكريا وجد فيها السبب، ولكن وجد عارض لحق أحد السببين، وهو كبر الوالد وكون المرأة عاقراً، فكان المطلوب إزالة ذلك العارض، فعبر الله عنه بقوله: كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:40]. أما في قصة مريم فليس هناك سبب آخر قائم حتى نقول: هناك عارض يحتاج إلى أن يزال، بل لا يوجد سبب يعين على ولادة؛ لانفصال أحد السببين، فقال الله جل وعلا: قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران:47]. |
|
|
|
|
#3 |
|
أهمية استحضار قدرة الله تعالى في سؤاله إجابة الدعوات
وأنت -أيها الأخ- قد تقف في عرفات -وهو موطن إجابة- وتصلي في الليل وتسجد، وذلك موطن إجابة، وتدخل أحد الحرمين، وهما مواطنان فاضلان، وتقف عند باب الكعبة، وهو موطن عظيم، وتمر عليك أوقات تقدم فيها طاعات تشعر فيها بقربك من الله، فعليك أن تزدلف إلى الله جل وعلا قبل أن تسأله بكلامه، وتردد ما أخبر الله جل وعلا به أنه قادر على كل شيء، فقل: اللهم إنك قلت وقولك الحق: كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:47]، وقلت: وقولك الحق، كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ [آل عمران:40]، وقلت وقولك الحق: إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [البقرة:20]، وقلت وقولك الحق: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [النحل:40]. وأنت الذي أرجعت يوسف إلى أبيه، رددت موسى إلى أمه، جمعت ليعقوب بنيه، وجعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، أنت الله لا إله إلا أنت لا تسأل عما تفعل وهم يسألون، أنت الله لا إله إلا أنت تنزهت عن الصاحبة والولد، وتقدست فلم تلد ولم تولد. وتذكر هذه المعاني العظيمة التي ذكرها الله في كتابه، وإلا فلا معنى لأن تقرأ القرآن ثم لا تصدقه، تقول عائشة : (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأول القرآن يقول في دعائه: يا بر يا رحيم! قني عذاب السموم) وأخذ الاستغفار من سورة إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1] فكان يستغفر الله جل وعلا، يتأول القرآن. فالمقصود أن هذه المعاني العظيمة المقررة في قلبك أولاً وأخراً عليك أن تستحضرها ثم تقولها؛ لأن الإنسان إذا كرر شيئاً يعتقده، فكرره بلسانه وأسمعه نفسه قل ألا يترك هذا أثراً في قلبه، فإذا وصلت إلى مرحلة الاستكانة والافتقار والتذلل بين يدي الله، فعرض على الله جل وعلا حاجتك، وسل الرب تبارك وتعالى بغيتك، وألح عليه تبارك وتعالى في الطلب، ثم اختم ذلك بعظيم حسن ظنك، وعظيم رغبتك فيما عند الله تبارك وتعالى، فتذكر من أسمائه الحسنى وصفاته العلى ما يغلب على ظنك أنه مناسب لدعائك حتى يكون ذلك أرفع لدعوتك، وأسمع لصوتك، والله جل وعلا بعد ذلك كله أرحم منك بنفسك، وأقرب إجابة، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ [البقرة:186]. والمقصود من هذا أننا قد نورد أحياناً مسائل علمية، ونعرج على أقوال النحاة، ونذكر ما دونه الشعراء، ولكن هذا إنما يدفع ويطرد به الملل، ويقرب به البعيد، ويوضح به المعنى، ولكن الغاية الأولى من القرآن كله أن تلين قلوب العباد لربهم تبارك وتعالى، بأن يكون فيه موعظة، ويكون فيه معانٍ تحرك القلب المسلم، وتجعل الإنسان قريباً من ربه وتدفعه إلى الطاعة، وتحجم به عن المعصية، وتبين له عظمة الله جل جلاله، ومن لم يهتد بالقرآن لن يهتدي بغيره قال الله: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40]. اللهم إنا نسألك نوراً نهتدي به، ورزقك حلالاً طيباً مباركاً نكتفي به. هذا ما تهيأ إيراده وأعان الله جل وعلا على قوله، وصلى الله على محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. |
|
|
|
|
#4 |
|
اشتملت سورة النور على بيان حال ثلاث طوائف من الناس، فالطائفة الأولى هي طائفة المنافقين المعرضين عن حكم الله ورسوله، والمعرضين عن طاعتهما، ومآل هؤلاء هو البوار والخسران. والطائفة الثانية هي طائفة الكفار المظهرين عداوتهم للمؤمنين، وهؤلاء ليسوا بمعجزين لربهم، ومأواهم النار. والطائفة الثالثة هي طائفة المؤمنين الذين وعدهم الله تبارك وتعالى بنصره لهم في الدنيا ورحمته بهم في الآخرة.
|
|
|
|
|
#5 |
|
ذكر بعض دلائل قدرة الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أظهر لنا من فضله وكرمه ووهبنا من آلائه ونعمه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وعلى سائر من اقتفى أثره واتبع منهجه بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فما زلنا نرتع في رياض الجنة وأعظم مقامات الدنيا كما قال أهل العلم وهو مقام التدبر في كتاب الله جل وعلا والسورة التي نحن بصددها هي سورة النور، وكنا قد وقفنا عند قول الله جل وعلا: لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:46]. وأحب قبل أن أشرع وأبدأ بها أن أعود قليلاً إلى الآيات التي سلفت، وكنا قد جعلنا لذلك الدرس حظاً كبيراً من قضية الوعظ، وهذا الأصل في القرآن، فإن الله جل وعلا جعله موعظة كما بينه في كتابه، وقد سبق معنا قول الله جل وعلا: أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43]، والذي أريد أن أقوله هنا هو أن هذه الآية من أعظم الآيات الدالة على قدرة الله جل وعلا، فالله جل وعلا ذكر فيها مخلوقاً واحداً، هو السحاب، وضمنه أربعة أضداد لا يمكن أن تجتمع في مخلوق واحد، ولا يقدر على ذلك إلا الله، فالسحاب يكون منه الودق، أي: المطر والغيث، وهو ماء، ويكون منه في نفس الوقت الصواعق التي تحرق، وهي في الجملة النار، والماء والنار ضدان لا يجتمعان، فجمعهما الرب في مخلوق واحد، وفي نفس الوقت يقول الله جل وعلا: ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا [النور:43]، والسحاب إذا تراكم بعضه على بعض حجب نور القمر وضوء الكواكب وأصبحت الدنيا ظلمة، ومع ذلك قرنه الله جل وعلا بالبرق، فقال سبحانه: يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ [النور:43]، والبرق نور وضياء، والنور والظلمة لا يجتمعان، فينجم عن السحاب أربعة أضداد، الماء والنار، وهما ضدان، والنور والظلمة وهما ضدان. وهذا من دلائل قدرة الله تبارك وتعالى، والمؤمن -إن كان موفقاً- ينظر إلى القرآن مثل هذه الرؤية، وإن كننا ننهج في التفسير تفسيراً موسوعياً، ونعرج على قضايا نحوية وبلاغية ومعرفية، فذلك من باب أن يستفيد المرء مما نقول، ولتستقيم الطريق العلمية والمعرفية، ولكن قبل أن يؤصل الإنسان نفسه معرفياً ليبز أقرانه ويصل إلى مقصوده، عليه أن يعلم أن المقصود الأسمى أن تثبت القدم يوم العرض على الله، ولن تثبت القدم يوم العرض على الله إلا إذا ملئت بموعظة وضياء القرآن، فينظر إلى القرآن نظر تدبر وإيمان يستدل به من خلال تدبر الآيات على عظمة الواحد القهار جل جلاله. فهذه الآية من أعظم الآيات الدالة على عظيم قدرة الرب جل وعلا. |
|
|
|
|
#6 |
|
تفسير قوله تعالى: (ولقد أنزلنا آيات مبينات...)
قال ربنا وهو أصدق القائلين: لَقَدْ أَنزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:46]. ولا يلحظ هنا التتابع في الآيتين، حيث يقول الله: لقد أنزلنا آيات مبينات ظاهرة جلية تخبر عن عظمتنا، وتدل على وحدانيتنا، وترشد إلى عبادتنا. ولكي لا يتعلق الناس بها قال الرب بعدها: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [النور:46]، فليس النظر في الآيات المبينات والتدبر فيها كافياً للهداية، بل لا بد مع التدبر والنظر في هذه الآيات التي أنزلت من أن يصاحب ذلك توفيق من الرب جل وعلا ولهذا قال الله: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة:213]، وقد مر معنا تحرير ذلك في أكثر من موضع. |
|
|
|
|
#7 |
|
تفسير قوله تعالى: (ويقولون آمنا بالله وبالرسول...)
ثم قال الله جل وعلا: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47]. بقدر الله جل وعلا أراد أن تكون المدينة المجتمع الإسلامي الأول، وأراد الله لها أن تجمع أخلاطاً عدة، فلينظر في حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفاعله مع تلك الأخلاط، حتى لا يكونن مجتمع بعد ذلك بمعزل عن مجتمع المدينة الأول، فيحق لكل أحد أن يتأسى بهديه عليه الصلاة والسلام. فالمدينة كانت زاخرة بالمهاجرين والأنصار أعظم الناس إيماناً، وكان هناك من هم دونهم في الإيمان وليسو منافقين، من الأعراب وبعض الصحابة. وكان هناك منافقون يظهرون ما لا يبطنون، وكان هناك يهود، وكان هناك نصارى يؤوون إليها، كما حصل من نصارى نجران، وكان هناك أعراب جفاة ينظرون إلى مصالحهم، وكان هناك دول تحيط بها، كفارس والروم، وقد حصل لهم بعض المنازعات مع الروم كما هو معلوم. فقراءة هذا المجتمع قراءة صحيحة من الكتاب والسنة والسيرة الصحيحة تعين الإنسان في أي منصب على أن يصل إلى أن يعرف حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم في الحدث. وهنا يخبر الله جل وعلا عن طائفة من المنافقين، ولكن الخبر هنا جزئي يتعلق بالحكومات، والناس تحتكم في ثلاثة أمور: في الفروج والدماء والأموال، ولا يوجد حكم في غير هذا، فأي تنازع بين الناس يكون إما في أموالهم وإما في فروجهم، وإما في دمائهم. يقول بعض أهل التفسير: إن منافقاً يقال له بشر اختصم مع يهودي، فطلب منه اليهودي أن يحتكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى بشر هذا الذي يدعي الإيمان، الاحتكام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأرشد إلى كعب بن الأشرف ؛ لعلمه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بالحق وهو يعلم أنه على الباطل، فقال الله عنهم: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا [النور:47] أي: بألسنتهم، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47]. قال العلماء: نفي الإيمان عنهم يدل على أن الإيمان لا يقبل من غير عمل؛ لأن الله أثبت لهم أنهم قالوا الإيمان بألسنتهم، ونفى عنهم العمل بقوله جل وعلا: ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فقال بعد ذلك معقباً وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47]، فالإيمان إيمان بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان. فهذه الطائفة من المنافقين كانت تسكن المدينة، والله جل وعلا من سننه التمحيص، فتأتي الطوارق والحوادث تتابع، فمرة على هيئة أفراد، كما حصل في قضية بشر ، ومرة على مستوى الأمة، كما يحدث التكليف بالجهاد، أو يحدث أمر عام يميز طائفة من الطوائف، وأحياناً تحدث أحداث جزئية تميز أفراداً عن أفراد، ومع ذلك لم يأتِ في القرآن اسم منافق واحد؛ لأن القرآن أكبر من أن يتحدث عن أفراد، وإنما يتحدث عنهم في بعض المواضع لمصلحة أرجح من إخفائهم، فمريم هي المرأة الوحيدة التي ذكرت في القرآن؛ حتى لا يقول قائل: ليس عيسى ابن مريم، وإنما شخص آخر، فذكره الله -أي: عيسى- وذكر اسم أمه حتى لا يبقى تأويل ولا احتمال يفزع إليه من يريد أن ينجو بالآية عما تقصد. يقول تعالى: وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47] (ما) هي الحجازية، تعمل عمل (ليس)، (ليس) و(ما) كلتاهما أداة نفي، ولكن الاختلاف في العمل، فالحرف أو الفعل له معنى وله عمل، وكل الحروف لها معنى إلا الحروف الأبجدية الجزئية، فلا تعرف إلا إذا ركبت، والخلاف هنا كائن في (ما) هل هي عاملة أو مهملة لا تعمل؟ فالحجازيون يعملونها عمل ليس، فترفع المبتدأ ويسمى اسمها، وتنصب الخبر ويسمى خبرها، ومن آية عملها أن يكون خبرها مقترناً بالباء، كما هو هنا: وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ [النور:47]. |
|
|
|
|
#8 |
|
بيان حال المنافقين عند دعوتهم إلى حكم الله ورسوله
ثم قال ربنا: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور:48] في هذه الآية ذكرت (إذا) مرتين، فالأولى هي (إذا) الشرطية، والأخرى (إذا) الفجائية، (إذا الفجائية) يأتي ما بعدها فجأة، ولهذا سميت (إذا الفجائية) والمعنى: أن هؤلاء القوم إذا دعوا إلى أن يحكم الله ورسوله بينهم لا يقبلون هذا العرض قبول متريث، بل لما انطوت عليه سرائرهم من بغض الله وبغض رسوله، وعدم قبول قول الله وعدم قبول قول رسوله يفاجئونك مباشرة بالجواب قبل أن تكمل عرضك، فهذا هو المنزع البلاغي المقصود من الإتيان بـ(إذا) الفجائية في هذا الموقف. وقوله تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [النور:48]، قال بعض العلماء: (ليحكم) جاءت بصيغة الإفراد، وقد دعوا إلى الله ورسوله، ومعلوم أن الدعوة إلى الله دعوة إلى كتابه، والدعوة إلى الرسول دعوة إلى سنته، فقالوا: إن المقصود هنا هو الدعوة إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم الميداني العملي، وإنما ذكر اسم الله قبل اسم رسوله تشريفاً وتبركاً. قال الله تعالى: وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ [النور:48]، ثم قال سبحانه: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49]، والإذعان: الانقياد، فلماذا يأتون عندما يكون لهم الحق؟! إنهم يأتون لعلمهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم سيقضي بالحق، فإذا علموا أزلاً أنهم على الحق لم يجدوا بداً من أن يذهبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا اتباع هوى لا اتباع دين، وقد يتلبس به بعض الناس من حيث لا يشعر، فيأتي إلى العالم ليسأله يبتغي جواباً قد بيته قبل أن يعرض سؤاله، فهو يريد أن يسمع جواباً يرتضيه، ولا يريد الحق، وهذا يحدث في مسائل الحكومات كما هو في العادة. ومن طرائف ما يروى في هذا الباب أن رجلاً اختصم مع زوجه إلى الشعبي ، والشعبي هو أحد رجال الصحيح، متفق عند جمهرة الناس على جلالته وتقواه وورعه، وكان يقضي بين الناس. فلما عرض الرجل وزوجته خبرهما حكم الشعبي للمرأة دون الرجل، فلما وجد الرجل أن الشعبي لم يحكم له جعل ذلك مثلبة في حق الشعبي فقال: فتن الشعبي لما رفع الطرف إليها سحرته ببنان وخضاب في يديها كيف لو أبصر منها نحرها أو ساعديها لا جفا حتى تراه راكعاً بين يديها نشرت هذه العبارات في الناس، والناس يفرحون بمثل هذه الأراجيز؛ لأنها سهلة الحفظ وتغطي فراغاً اجتماعياً لديهم، فانتشرت بين الناس، فلما انتشرت قال الشعبي : والله ما حكمت إلا بالحق، وما رفعت إلي بناناً ولا خضاباً. والبنان: رءوس الأصابع، والخضاب: كالحناء ونحوه، والرجل لما شعر أنه مغلوب جعلها في القاضي. فهذه صورة قبيحة في الناس، ولكنها صورة متأصلة في المنافقين، حيث قال الله جل وعلا: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ [النور:49] ومهم جداً أن تعرف القيد، وهو أنهم يأتون إليه لعلمهم أنهم على الحق، لا ليقينهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم بالحق. |
|
|
|
|
#9 |
|
بيان أسباب إعراض المنافقين عن حكم رسول الله
ثم قال الله جل وعلا بعد ذلك من باب التدرج في ذكر أخلاقهم: أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ [النور:50]، فهذه الثلاث مجتمعة فيهم، وليس المقصود التساؤل: هل فيهم مرض؟ هل فيهم ارتياب؟ هل فيهم خوف من الله؟ فهذا غير مقصود وإنما هذه الصفات الثلاث كلها موجودة بينهم، ففي قلوبهم علل وأمراض شك، وأعظم علتهم أنهم غير موقنين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم رسول من عند الله، ونجم عن هذا ريب، ونجم عن هذا الريب خوفهم من أن يجور النبي صلى الله عليه وسلم عليهم؛ لأنهم إذا كانوا غير مقتنعين بنبوته فبدهي أن يرموه عليه الصلاة والسلام بالجور والظلم؛ لأن القول بأنه عدل عليه الصلاة والسلام تبع للقول بأنه نبي، وهم لا يقولون بنبوته أصلاً، فلذلك لم يقولوا بعدله عليه الصلاة والسلام؛ لأنهم إذا كانوا مقتنعين بأنه كذب على الله، فمن باب أولى أن يكذب على الناس. فالمهم أن الآية ليس المقصود منها إلا التدرج في وصف أخلاقهم، حيث قال تعالى بعد ذلك: بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:50]، والمعنى: أن هذه الأخلاق كلها فيهم، وبيان ذلك بصورة ميسرة أنه قد يكون إنسان يحسدك، وبينك وبينه عداوة، وهو كاذب، فعندما يحيف عليك في أمر فإنك لا تدري لأي شيء صنع بك ذلك الأمر، هل حسداً، أم للعداوة المتأججة، أم لكذبه الذي اعتاد عليه، ولا يعني هذا نفي إحدى تلك الصفات، ولكن السؤال: أين الباعث على هذا الأمر، فجاء الجواب القرآني: بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور:50]. و(أم) شبيهة العمل بـ(أو)، ويقول أهل النحو: إن بينهما منزعاً دقيقاً، وبيان ذلك أنه إذا كان بينك وبين أحد فورة، وحصل لك فرج بشيء، فإنك تؤمل أن يبعث لك أحداً من طرفه يشاركك في فرحتك، فإن بعث لك أخاه زيداً أو أخاه عمراً، فإن كل الذي يهمك هو أن يأتي أحدهما، فعندما يتأخر وتغيب أنت عن الحفل لحظات وتعود فإنك تسأل فتقول: أجاء زيد أو عمرو؟ فأنت لا تريد أن تسأل عن الذي جاء، وإنما تريد أن تسأل عن المجيء نفسه، فيكون الجواب هنا بـ (نعم) في حالة الإثبات، وبـ (لا) في حالة النفي. أما في استخدام (أم) فإنك على يقين من أن أحدهما جاء، ولكنك لا تدري من الذي جاء، فتقول: أجاء زيد أم عمرو؟ فيكون الجواب بحسب من جاء، فيذكر زيد في حالة إتيانه، وعمرو إن كان هو الذي أتى، فهذا هو الفارق بين (أم) و(أو). ثم جاء بعد (أم) ذكر (بل) في الآية الثانية، و(بل) عند النحويين للإضراب، والإضراب الانتقال، والانتقال أحياناً يكون لاستئناف كلام جديد، وأحياناً تجمع (بل) بين الإضراب والإبطال. فالإضراب متأصل فيها، أما الإبطال فقد يقع وقد لا يقع، ومعنى الإبطال: أن تأتي فتنقل الجملة على أنها تستوعب إبطال الذي سبق، كما قال تعالى عن كفار قريش: وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ * مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ * أَؤُنزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا [ص:6-8]، فكل الذي مضى حكاية كلام صناديد قريش، ثم قال الله: بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي [ص:8] فهذا انتقال وإبطال لما قد سلف من قولهم، ولكنها لا تأتي على كل حال للإبطال، بل تأتي على كل حال للانتقال. |
|
|
|
|
#10 |
|
تفسير قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله...)
قال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51]. نلحظ هنا أن كلمة (قول) منصوبة، وقد تستدرك فتقول: كيف ينصب اسم كان؟ والجواب أنها ليست اسم كان، بل هي خبرها، فإذا قررنا أن (قول) هنا خبر كان مقدم، كان لابد من الإجابة عن اسم (كان)، إذ من قواعد العلم أنك إذا دفعت شيئاً أتيت ببدله، وإذا أخرت شيئاً وضعت آخر عوضاً عنه حتى تستقيم الأمور، أما الترك والغفلة فلا يصنعان منك عالماً. فـ(قول) خبر (كان) مقدم، ولذلك نصبت، وأما اسم (كان) فالمصدر المؤول من (أن) وما دخلت عليه في قول الله جل وعلا: أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا [النور:51]، فهذا من ناحية الصناعة النحوية. أما من حيث التفسير فإن الله لما ذكر حال أهل النفاق ذكر حال أهل الإيمان، وهذا من أسلوب القرآن المتكرر في أكثر من موضع، فقال تعالى: إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [النور:51]. والفلاح: تحقق المرغوب ودفع المرهوب، فالإنسان إذا حصل له ما يؤمل وزال عنه الذي يخشاه ويكرهه فقد تحقق له الفلاح، فالله جل وعلا ربط الفلاح وقيده بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. |
|
|
![]() |
| أدوات الموضوع | |
| انواع عرض الموضوع | |
|
|
![]() |
![]() |
![]() |