فضيلة الدكتور/ عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
البداية
لا بد لكل عمل ليكون مقبولاً بإذن الله أن يتوفر فيه شرطان:
الأول: أن يكون خالصاً لله تعالى، وصدق الله العظيم [مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ].
الثاني: أن يكون صواباً على وفق ما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم القائل: ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)(رواه مسلم).
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا،من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ]([1]).
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً]([2]).
[أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُوْلَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيْمًا]([3])، وبعد:
فتلبية لرغبة المجلس الأعلى للإعلام قمت بكتابة هذا البحث،بعنوان الإخلاص والفاعلية لما لهذا الأمر من أهمية خاصة، حيث أن الإخلاص هو أصل الدين، وبدونه لا تقبل الأعمال.
وصدق أحد العلماء وهو يقول:(وددت أنه لو كان من الفقهاء من ليس له شغل إلا أن يعلم الناس مقاصدهم في أعمالهم، ويقعد للتدريس في أعمال النيات ليس إلاَّ، فإنه ما أتى على كثير من الناس إلا من تضييع ذلك . . . . . ). والناس اليوم على وجه الأرض على اختلاف عقائدهم، ودياناتهم، وتعدد رغباتهم يقومون بأعمال وتصرفات كثيرة، ظانين أنَّ فيها السعادة، ونسوا أو تناسوا أنَّ الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم وموافقاً لشرعه الحكيم .
وكأني أنظر إلى الناس وقد ضعفت عزيمتهم، وقلت فاعليتهم، وركنوا إلى الخمول والكسل، فأصبحوا محتاجين إلى شحنه تُقَوِّي عزيمتهم، وتأخذ بأيديهم إلى طريق الصواب لقبول أعمالهم .
لذا عمدت إلى الكتابة في هذا البحث، علَّها أن تكون خطوة مباركة على طريق العلم .
وقد تحدثت في هذا البحث عن الإخلاص وأهميته، وعلاماته، وثمراته، ثم ذكرت نبذة مختصرة عن الرياء وعلاجه لما له من خطر عظيم على الأعمال. ثم عرجت بالحديث عن الفاعلية، وكيف يكون المسلم عنصراً فعالاً في المجتمع الذي يعيش فيه.
وفي الختام أزجي خالص شكري وتقديري للمجلس الأعلى للإعلام ممثلاً في رئيسه صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز آل سعود الذي أولاني هذه الثقة في الكتابة حول هذا الموضوع الهام.
وأسأل الله جل وعلا أن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وفي السر والعلن، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وكتبه
أبو محمد/عبد الله بن محمد بن أحمد الطيار
الزلفي في ضحوة الاثنين: 25/ 3/ 1426هـ
الإخلاص ودوره في الفاعلية
تعريف الإخلاص لغة:
الإخلاص لغة : النجاة، خلص الشيء أي نجا وسلم من كل نشب. والمخلص الذي وحَّد الله تعالى خالصاً، ولذلك قيل لسورة قل هو الله أحد: سورة الإخلاص، لأن اللافظ بها قد أخلص التوحيد لله عز وجل. وكلمة الإخلاص هي كلمة التوحيد([4]).
وقيل الخالص: الذي زال عنه شوبه الذي كان فيه فصار صافياً([5]).
ويأتي الإخلاص بمعنى الاختصاص،فكما يقال: استخلص الشيء لنفسه أي استخص نفسه به، فكذلك إخلاص العمل لله، أن تخص به الله دون غيره([6]).
تعريف الإخلاص اصطلاحاً:
لقد ذكر العلماء معاني كثيرة للإخلاص، لكن أكثرها شمولاً هو قول أبي محمد سهل بن عبد الله التستري الذي يقول فيه: نظر الأكياس في تفسير الإخلاص فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركاته وسكناته في سرًِه وعلانيته لله تعالى وحده، لا يمازجه شيء لا هوى ولا نفس، ولا دنيا([7]).
وقال غيره:
الإخلاص: إفراد الله تعالى بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح من الخلق أو معنى آخر سوى التقرب إلى الله تعالى.
أدلة من القرآن والسنة تحث على الإخلاص
أولاً _ من القرآن:
قال تعالى [وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)]([8]).
قال القرطبي في تفسير هذه الآية: مخلصين له الدين، أي مخلصين له العبادة، ومنه قوله تعالى:[قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ]([9]) وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب وهو الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره ([10]).
ومعنى الآية: أي عبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، والميل عن الشرك وأهله، وإقام الصلاة، وإنفاق للمال في سبيل الله وهو الزكاة، فمن حقق هذه القواعد فقد حقق الإيمان، كما أمر به أهل الكتاب، وكما هو دين الله على الإطلاق، دين واحد،وعقيدة واحدة.
وقال تعالى: [الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)]([11]). قال الفضيل بن عياض: هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إنَّ العمل إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة([12]). ثم قرأ قوله تعالى: [فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (110)]([13])، وقال تعالى: [إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً (146)]([14]).
وقال تعالى على لسان إبليس لعنه الله: [قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ (83)]([15] ). وقال تعالى: [وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)]([16]). وهي الأعمال التي كانت على غير السنة، وأريد بها غير وجه الله([17]).
أحاديث من السنة تدعو إلى الإخلاص
عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما
لكل امرىء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت
هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)([18]).
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين: ( على المسلم أن يستحضر النية ولابد له في جميع العبادات من ثلاثة أشياء:
1_ نية العبادة.
2_ أن تكون لله.
3_ أنه قام بها امتثالاً لأمر الله([19]).
وعلى المسلم أن يعلم أن ما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. والعمل إذا كان لله تعالى قُبل، أمَّا ما كان لغير الله لا يحبط فحسب بل إنَّ صاحبه يلقى مصيراً مشيناً لأنه اتخذ مع الله شريكاً، وهذا ما يوضحه الحديث الذي رواه ضمرة عن أبي حبيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إن الملائكة يرفعون عمل عبد من عباد الله فيستكثرونه ويزكونه حتى ينتهوا به إلى حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله تعالى إليهم أنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إنَّ عبدي هذا لم يُخلص لي عمله فاكتبوه في سجين، ويصعدون بعمل عبد فيستقلونه ويحقرونه حتى ينتهوا به إلى حيث شاء الله من سلطانه فيوحي الله إليهم أنكم حفظة على عمل عبدي وأنا رقيب على ما في نفسه إن عبدي هذا أخلص لي عمله فاكتبوه في عليّين)([20])
وفي هذا الحديث دلالة واضحة على أن الله عز وجل لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصاً لوجهه الكريم وإن قلت، فهذا القليل يضاعفه الله تعالى بفضله. قال تعالى: [وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً (40)]([21]). ويرد الأعمال التي لا يبتغي بها وجهه
وإن كثرت.
ومن الأحاديث التي تحث على الإخلاص من السنة الشريفة :
الحديث الذي رواه النسائي عن أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا شيء له) فأعادها ثلاث مرات، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( لا شيء له) ثم قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغى به وجهه. وقد جاءت أحاديث في السنة تبين فضل المخلصين ومنزلتهم وثوابهم منها:
ما رواه ثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( طوبى للمخلصين أولئك مصابيح الهدى تنجلي عنهم كل فتنة ظلماء)([22]). ومنها حديث سعد أبي وقاص الذي يقول له النبي صلى الله عليه وسلم فيه:
( .. إنك لن تُخلف فتعمل عملاً تبتغي به وجه الله إلاَّ ازددت به درجة ورفعة..)([23]).
وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راضٍ)([24]).
وحديث زيد بن ثابت رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها فرب حامل فقه غير فقيه ثلاث لا يغل عليهن قلب امرىءٍ مسلم: إخلاص العمل لله، والنصح لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم)([25]).
وحديث أبي الدرداء يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى أصبح كتب له ما نوى وكان نومه صدقة عليه من ربه عز وجل)([26]).
والمرء مجازى على ما نواه وما أكنه في صدره. فالله سبحانه وتعالى مُطَّلع على ما يخفيه العباد،وما يظهرونه قال تعالى:[أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور*وحصل ما في الصدور]([27]).
ويدل على ذلك أحاديث كثيرة منها:
ما رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)([28]).
قال فضيلة الشيخ محمد العثيمين في شرح هذا الحديث: ( قد تجد الرجلين يصليان في صف واحد مقتديين بإمام واحد، يكون بين صلاتهما كما بين المشرق والمغرب، لأن القلب مختلف، أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائياً والعياذ بالله يريد الدنيا، والآخر قلبه حاضر يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم([29]).
وكما ذكرنا آنفا أن المرء يجازى بنيته، نرى عظيم رحمة الله تعالى تتجلى في الأحاديث الآتية: ما جاء في الصحيحين من حديث ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من هم بحسنة فلم يعملها كُتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كُتبت له عشراً إلى سبعمائة ضعف. ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتبت)([30]).
وعن معن بن يزيد رضي الله عنه قال: ( . . . وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها فوضعها عند رجل في المسجد فجئت فأخذتها فأتيته بها فقال: والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن)([31])([32])
شروط قبول العمل الصالح:
1_ أن يكون فاعله مسلماً، موحداً، لا يشرك بالله شيئاً،مؤمناً بالله وملائكته، وكتبه،ورسله، واليوم الآخر، والقضاء خيره وشره من الله تعالى.
وقد اشترط الله سبحانه وتعالى شرط الإسلام في جميع العبادات لقبولها. قال تعالى:[ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ (85)]([33]).
وأوضح الله سبحانه وتعالى أركان الإيمان فقال: [كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)]([34]).
لذا يبين الله سبحانه وتعالى أنه لا يقبل من غير المؤمنين، لأن غير المؤمنين كالمنافقين والكفار لا يعملون الأعمال إلا رياءً وسمعة.
قال تعالى: [وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ (54)]([35]).
2_ أن يكون ذلك العمل خالصاً لله ولا يراد به إلا وجه الله والدار الآخرة فإذا اختل شرط الإخلاص، وقصد به غير الله تعالى أصبح العمل رياءً وشركاً. وهذا ما يوضحه الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال )رُبَّ صائم ليس من صيامه إلا الجوع، ورب قائم ليس من قيامه إلا السهر).([36]).
فالصائم والمصلي إذا لن يبتغيا بعملهما وجه الله فلا ثواب لهما. والله سبحانه وتعالى يميز الأعمال يوم القيامة فما كان لله تعالى قُبِل،وما كان لغير الله يُرمى في نار جهنم.
عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال) يجاء بالدنيا يوم القيامة فيقال: ميزوا منها ما كان لله عز وجل فيماز، ويرمى سائره في النَّار)([37]).
كما روي عن بعض الحكماء أنه قال: مثل من يعمل الطاعات للرياء والسمعة، كمثل رجل خرج إلى السوق، وملأ كيسه حصاة، فيقول الناس: ما أملأ كيس هذا الرجل، ولا منفعة له من عمله سوى مقالة الناس ولا ثواب له في الآخرة([38]). كما قال تعالى:[ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)]([39]).
3_ أن يكون العمل وفق ما جاء به الشرع الحكيم، في كتاب الله،وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتضى فعل الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روت عنه أم المؤمنين عائشة:( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد)([40]). وقال صلى الله عليه وسلم: ( . . . فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين عضوا عليها بالنواجذ . . . )([41]).
علامات الإخلاص:
إن للإخلاص علامات إذا وجدت في المسلم، عرف بها أنَّه مخلص منها:
1_ استواء المدح والذم من العامة. فالمسلم بعد قيامه بالعمل تجد أن مدح الناس له وذمهم إياه سواء، لأنه ينتظر الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى، الذي ابتغى بوجهه الكريم هذا العمل. وهذا هو ميزان الإخلاص الذي توزن به الأعمال، ويتميز به بعضها عن بعض. فالخطيب مثلاً إذا نزل من المنبر، وصلَّى بالنَّاس، وانتهت الصلاة، ولم ينتظر أن يمدحه أحد من الناس، فذاك المخلص، بل يستوي عنده المدح والذم. لذا ترى حبات اللؤلؤ تنفرط من عقد لسانه الذكي قائلاً: يا أخي لا تشكرني أنا، ولكن اشكر الله عز وجل، الذي وفقني في المجيء إليكم، وأمدني بهذا العلم من عنده لأفقهكم في دينكم.
من هنا ترى أن المخلصين لا ينسبون ما هم فيه إلى أنفسهم، بل يرجعون الفضل كله إلى الله تعالى، ولا تُهمُّهم مقاييس البشر، بل هم يتضرعون إلى الله لأن يقبل منهم، ولكي لا تحبط أعمالهم، وأن يقيهم الله عز وجل نار جهنم يوم القيامة.
قال تعالى على لسان هؤلاء المخلصين:[ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10)]([42]).
2_ اقتضاء ثواب العمل في الآخرة:
بأن يريد المرء بهذا العمل، التقرب إلى الله تعالى،والفوز برضا الله تعالى عليه، ودخول الجنة بإذن الله تعالى، وَمنّه، وفضله.
لأن الطريق الوحيد للفوز برحمة الله ورضوانه، هو إخلاص العمل لله وحده. وإن من أعظم ما يفعله المخلص أن يستر عمله عن الناس جميعاً. بل الأعظم من ذلك أن يسدي المعروف إلى من أساء إليه، ثم يستر هذا المعروف، مقتدياً بخلق النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه ويصل من قطعه.